فئات أخرى
بين أمي و احلامي, ماذا اخترت؟
27 نوفمبر، 2017
بواسطة منصة أصوات الشباب
للمزيد عن هذا الموضوع إنزل الى الأسفل

مقالات يوريبورت مستمرة

 (وتمضي الليالي إلى قبرها .. وتمشي الحياة مع الموكب .. أسيرُ أنا في شعاب الوجود .. أفتش عن حلمي المتعب)

ما كنت مهتمةً بالشعر يوماً، ثم فجأةً وجدت أنَّ أبيات الشعر هذه التي كتبتها نازك الملائكة صارت واقعاً أحياه وأنا طفلة في السادسة عشر من عمري.

بأحلام كبيرة ، وقلبٍ مليءٍ بالحياة واجهت الحرب التي اندلعت في بلادي .. ثم تعبت الأحلام .. تمزقت الطفولة .. وبدأ اليأس يرتسم في قلبي دوائر داخل دوائر داخل دوائر .

آمنت أن السفر عالمٌ جميل، فيه فراشاتٌ لا تحرق أجنحتها، عيونٌ لا ينطفئ نورها، ضحكات أطفال لا تخشى أن تقتلع حناجرها في الغد .

هذه الحرب أرغمتني على الرحيل .. لا أنتمي إلى عالمٍ كل ما فيه كرهٌ وشقاء .. كان عليَّ أن أختار .. واخترت .

ستة عشر عاماً للوراء : خزامى طفلة الستة أعوام :

اعتدت أن أعود من المدرسة كل يوم ممسكةً يد أختي، أصغي بشغفٍ للقصص التي تحكيها لي حتى أنني أنسى أن أنتبه للطريق .

مرةً من المرات تغيّبت أختي عن المدرسة، اضطررت أن أعود مع صديقتي .. استرسلت في الحديث عن الحلوى والدمى معها حتى وصلت إلى منزلها، دخلت هي وبقيت أنا في الخارج، لا أعلم كيف أعود للمنزل !

حاولت إيجاد الطريق، سرت في أزقةٍ ضيِّقة .. قلبي يكاد يختنق، يداي ترتجفان .. لقد أضعت طريقي .

جلست على حافَّة الرصيف، أضمُّ حقيبة ظهري .. ركبتاي مطويتان إلى صدري .. أبكي بحرقة .. خائفةٌ من أنَّني لن أرى أمي .. أبي .. و أختي مجدداً .

فجأةً خطرت لي فكرة، بدأت أعود من نفس الأزقة التي مررت بها حتى وصلت إلى منزل صديقتي، ثمَّ عدت من منزلها إلى المدرسة، ومن المدرسة إلى منزلي .

كانت قد مرَّت ساعات على غيابي، طرقت الباب بيديَّ وقدميَّ .. فتحت أمي الباب .. ارتميت في حضنها وبكيت كل الخوف والذعر من عالم لا أحياه بقربها .. ضمتني إليها حتى هدأت روحي .. ظننت أنني تجاوزت الأمر .. لم أعلم أن هذا الكابوس سيعاودني .. وبطريقةٍ أسوأ .

ثلاثة أعوامٍ للوراء : خزامى فتاة التسعة عشر عاماً :

ارتديت سترتي الجلدية القصيرة السوداء، نظرت مرةً أخيرة للمرآة ، ثمَّ نزلت من شقتي الصغيرة في اسطنبول إلى المقهى المتواضع أمامها .

جلست على كرسيي المعتاد، أمامي كوب الشوكولا الساخنة والصحيفة التي لا أفهم منها حرفاً سوى أنها تعوِّد ناظري على اللغة الجديدة .. كانت كل الأمور تسير على نفس الرتابة اليومية التي اعتدتها .. ثمَّ حدث فجأة ما لم يكن بحسباني .

انتبهت إلى التاريخ على الصحيفة .. في مثل هذا اليوم من شهرٍ واحدٍ تماماً .. كانت آخر مرةٍ أرى فيها وجه أمي .. أبي .. أختي .

كان شديد الإيلام أنني بدأت أعدُّ الفراق بالأشهر لا بالأيام .. مرَّت ذكرياتي معهم فجأةً كسهمٍ في الذّاكرة .. لا أذكر ما حصل بعد ذلك تماماً .. انخرطت في نوبة بكاءٍ طويلة .

خرجت من المقهى والدموع تملأ عينيّ، بدأت أبحث بين الناس عن وجهٍ يشبه وجه أمي، قسمات الحنان الإلهي المرسومة في تفاصيلها ما عدت أراها منذ شهر .

فتشت عن أبي، عن يده التي تشد على يدي لتنشلني ممّا أخشاه كما عندما كنت طفلة .

فتشت عن ابتسامة أختي .. عن غمازتها اليتيمة التي تحلِّي بها مرارة الأيام .

لم أجد أحداً منهم .. شعرت أنني وحيدة أكثر من أيّ وقتٍ مضى .. كلما اقترب مني الناس أكثر خفت أكثر وأسرعت الخطا أكثر فأكثر .

مشيت شاردة الذهن حتى وصلت إلى مكان لا أعرفه .. نعم .. انا ضائعة .. أجلس مجدداً على الرصيف .. أضم حقيبتي .. أطوي ركبتي إلى صدري وأبكي .

تأتي لتجلس أمامي خزامى .. تلك الطفلة الضائعة .. لكنها مبتسمة لأنها وجدت أمها أخيراً .

أما خزامى الشابة الضائعة .. لا زالت تبكي .. تعلم أن حضن والدتها لا ينتظرها ليمسح عنها رعب هذا العالم القاسي .

طال جلوسي، وبدأ الظلام يحلّ .. كان عليّ أن أستعين بخدمة تحديد المواقع لأعود إلى شقتي .. وقفت .. أخرجت هاتفي من جيبي .. لكنه سقط من يدي .. أغمضت عيني وعضضت على شفتي .. ما كان ينقصني أن أتحمل عبء شراء هاتفٍ جديد .

سالت دموعي مجدداً من قسوة هذا اليوم .. همست نداءً خفياً إلى الله .. "أن ربي أنت أعلم بحالي .. ربي ارحم ضعفي وقلة حيلتي وهواني .. يا رب "

فتحت عينيَّ لأبحث عن الهاتف .. لكن مهلاً ! ما كان هاتفي الذي سقط ! إنها حقيبة سفر ! بيدي الأخرى تذكرة طائرة ! أنظرُ حولي .. أنا على باب منزلنا .. أنا في حمص ! أجل أجل .. إنه منزلي ! أعود بسرعة إلى الداخل .. أمي أبي أختي .. كلهم هنا .. أراهم ! أجل أنا لم أرحل بعد .. ولن أرحل .. الهروب ليس حلاً .. أبدّل ملابسي .. أذهب إلى غرفة والديّ .. أحشر نفسي في السرير بين أمي وأبي .. أردد في قلبي .. لن أرحل .. هناك من يحبُّني .. سأواجه بؤس الحرب بحبهم .. سأنتصر سأنتصر .. أمي أبي أختي .. لا أبعدني الله عنكم .. لا أبعدني


صور مختارة


مقالات ذات صلة

شاركني صوتك
إقرأ المزيد ←
الشباب و ثقافة التغيير
إقرأ المزيد ←
الشباب و إشكالية التعبير
إقرأ المزيد ←

أرشيف المقالات

صنف

القائمة