حماية الطفل
الوسيله الافضل للتغلب على الصعاب هي اختراقها
13 ديسمبر، 2016
بواسطة موقع أصوات الشباب: THE VOICE OF YOUTH
للمزيد عن هذا الموضوع إنزل الى الأسفل

مقالات يوريبورت مستمرة

إذا عاد بي الزمن الى الوراء أربعة أعوام، لن أذكر إلا تلك الفتاة الخائفة، المختبئة في منزلها في مخيم اليرموك، تسمع أصوات القذائف والمعارك تدور حولها، وتظن أنها النهاية. في وقتٍ كهذا، لم أكن لأتخيل نفسي ما أنا عليه اليوم. لم أكن لأتخيل أنني سأكون مهندسة كهرباء بعد خمسة أعوام فقط!

لم أكن لأرى نفسي بالنجاح الذي حققته اليوم، في الثالثة والعشرين من عمري.

اسمي عبير، اندلعت الحرب في سوريا حين كنت في السابعة عشرة. يقع منزلنا في مخيم اليرموك جنوب دمشق. المخيم الذي شهد أعنف المعارك خلال الحرب في سوريا. حيث شاهد العالم أثر الحصار على حوالي 18,000شخص. حصلت بدايات المعارك في المنطقة التي كنا نعيش بها. عشنا أياماً من الخوف والرعب لم يسبق لنا أن مررنا بها، حتى اضطررت وعائلتي الى النزوح من المنطقة، وانتقلنا بعدها الى منطقة أخرى في ريف دمشق.

آلمني رحيلي عن منزلي الذي عشت به مراحل طفولتي، لكنني رغم ذلك شعرت بالأمان بعد ان هدأت من حولنا أصوات الحرب قليلاً. حاولت كل جهدي أن أنسى كل ما مر بنا، لأبدأ حياةً جديدة في منزلي الجديد.

في عام 2012، تقدمت إلى امتحان الشهادة الثانوية واستطعت رغم كل الظروف الصعبة التي مررنا بها أن أحصل على معدلٍ عال مكنني من الالتحاق بكلية الهندسة الكهربائية في جامعة دمشق.

كان دخولي إلى الجامعة بداية الطريق لمهنةٍ عشقتها من أول محاضرة تلقيتها في الكلية. ومع تعدد المواد التي درستها والمجالات الجديدة التي تعرفت عليها، أخذ شغفي باختصاصي يكبر معي، عاماً بعد عام. وعلى الرغم من الضغوطات التي كنت أتعرض إليها من المجتمع، والأفكار المسبقة التي وضعها حول الفتيات، والتي تتعجب من أي فتاة تختارمجالاً مهنياً كالذي اخترته، إلا أنني كنت أحاول دائما أن أثبت للجميع أنه يمكننا كفتيات ممارسة أي مهنة نريد طالما كانت شغفنا.

بعد دخولي إلى الجامعة بفترة، وصل إليّ صدفة إعلانٌ عن دورة لصيانة الكهرباء، في مشروع جديد اسمه "بداية" تدعمه منظمة اليونيسف من خلال جمعية نور والتي افتتحت المشروع بالقرب من منزلي.كانت هذه الدورة الأولى من نوعها في المنطقة التي انتقلنا إليها بعد أن تركنا المخيم. لم أتردد للحظة وقمت مباشرةً بتسجيل اسمي لأكون أول فتاة تلتحق بدورة صيانة الكهرباء في مشروع بداية.

كانت هذه الدورة بمثابة نقلة نوعية ايجابية في حياتي، بعد أن تعلمت الكثير عن الكهرباء وهندستها في الجامعة بشكل نظري، انتقلت لأنفذ ما تعلمته وغيره من المعلومات بشكل عملي، عبر هذه الدورة.

استغرب الشباب حين وجدوني بينهم، كفتاة تريد تعلم صيانة الكهرباء، لم أجد مشكلة في كوني الفتاة الوحيدة في دورة صيانة الكهرباء، بل على العكس تماماً منحني المركز الكثير من الراحة في التعامل، ودب فيّ روح النشاط والعمل لمجرد دخولي إليه.

لطالما أردت أن أصنع من نفسي شيئاً مميز، أحببت التحدي منذ صغري، ووجدت في دراستي والدورة التي اتبعتها ما أحببت حقاً، وتلقيت الدعم الكامل من عائلتي، التي شجعتني على التعلم مهما كان، طالما هو شغفي.

على الرغم من دراستي أمسكت للمرة الأولى أدوات الصيانة خلال هذه الدورة، وتعلمت التعامل مع جميع أنواع الدارات المنزلية. وعلى من كوني الفتاة الوحيدة في الدورة إلا أنني اكتسبت مهارات اجتماعية لم أكن أملكها، وأصبحت أنتظر وقت الدورة بفارغ الصبر، واستطعت إثبات نفسي بينهم، حتى أنني حصلت على المرتبة الأولى في نهاية الدورة!

تخرجت من الدورة وأصبحت قادرة على وضع مخطط لجميع الدارات الكهربائية لمنزل كامل، بالإضافة لقدرتي على صناعة التمديدات، وفي المستقبل لست بحاجة لفني صيانة كهرباء حين تعرضي لأي عطل في منزلي.

وأصبحت أعرف ضمن عائلتي بأنني خبيرة كهرباء، فيطلبون مساعدتي في أي عطل يحدث ، ويسعدني ذلك حقاً! أصبحت أشعر بأنني شخصٌ فعال في المجتمع، وإن كان بشكل مصغر وعلى مستوى عائلتي فقط.

لم تعطني مشاركتي في هذا التدريب المهني مهارات الصيانة فقط، بل أتاح وجودي في المركز لي الفرصة لأبادر وأشارك في الأعمال التطوعية. كانت مبادرة "بداية نوّرت علينا" تجربتي الأولى في الوقوف بورشة عمل، حيث عملنا على تمديد إضاءة لمركز إيواء في صحنايا وصيانة عدد من المنازل فيه، أسعدني أن أتواجد في موقع العمل، وخاصة إذا كان العمل تطوعياً، يرسم بسمة على وجوه أناس يحتاجونها، أناس هربوا من الحرب مثلي ليبنوا أنفسهم، ويرسموا لأنفسهم بداياتٍ جديدة كما فعلت.

الآن نجحت إلى السنة الخامسة في كلية هندسة الكهرباء، إنها سنتي الأخيرة في الكلية، أصبح شغفي أكبر، وأصبحت أرى نفسي أكثر قدرة على التطور، وأنا فخورة بما وصلت إليه، أحلم أن يكون لكل فتاة طموحاً. أحلم أن يكون لها حلم وأن تلحق به، في أي مجالٍ كان، أن تعمل جاهدةً على تحقيقه طالما هي مقتنعة به، وأن تطور نفسها به، لترتقي للأعلى بنفسها وبمن حولها، حيث تستحق أن تكون كحلمي بأن أتخرج قريباً وأصبح يوماً مهندسة كهرباء أخدم بلدي وأطوره.


صور مختارة


مقالات ذات صلة

ردود أفعال الأطفال تجاه العنف الأسري والحلول لمواجهتها؟
إقرأ المزيد ←
حق من نوع مختلف
إقرأ المزيد ←
قصة المتشرد "سين"
إقرأ المزيد ←

أرشيف المقالات

صنف

القائمة