فئات أخرى
الشمس تشرق من تحت الأنقاض
17 مايو، 2017
بواسطة UNICEF.ORG
للمزيد عن هذا الموضوع إنزل الى الأسفل

مقالات يوريبورت مستمرة

“أمي، هذه المنطقة لها صدى جميل …” قالت أنسام، 10 أعوام، عندما وصلت إلى بلدةٍ مدمَّرة في ريف دمشق، والتي توفّر خلفية مذهلة لشريط الفيديو الموسيقي من إنتاجنا بمناسبة مرور ستة أعوام على الصراع المروِّع في سوريا.

التقيتُ بأنسام للمرة الأولى وهي تمشي على خشبة مسرح دار الأوبرا بدمشق في ديسمبر الماضي بخطواتٍ ملؤها الثقة والاتزان، مرتديةً فستاناً جميلاً مطبوعاً بالمسحوق، بينما ينسدل شعرها الأسود الطويل إلى أسفل. في ذلك اليوم، ومع 100 طفل آخر من الملاجئ في مختلف أنحاء سوريا، صدحت أنسام بأغنيات للأمل والصمود والرغبة في العودة إلى سورية يعُمُّها السلام، وذلك بمناسبة الذكرى السبعين لليونيسف.

واليوم، جاءت أنسام بنفس ثوبها الجميل وابتسامتها المعتادة، بصحبة 40 طفل من ملجأ للعائلات المُشرّدة في ريف دمشق، لإرسال رسالة أملٍ أخرى إلى العالم من خلال أغانيهم.

أنسام، التي وُلدت كفيفة، يمكنها فقط أن تُحِسّ بالأنقاض تحت حذائها الأبيض. يمكنها فقط أن تسمع رجع الصوت يردّد غناءها: “قد نكون أطفالاً صغاراً ولكن صرختنا من القلب. نريد أن نمحو كل الخوف وأن يكون التغيير.”

قلت لنفسي: أيّ رسالة للأمل والشجاعة أقوى من تلك التي تُمثلها فتاة صغيرة أُجبِرَت على ترك منزلها تحت القصف، وتمكنت من اكتشاف “صدى لطيف” لصوتها وسط الأنقاض؟ بالنسبة لي، لقد جسّدت أنسام بهذا التعليق البريء والعَفَويّ جوهر عملنا من أجل الأطفال في مختلف أنحاء البلاد.

"بملابسهم الملونة، وبالورود ودِلاء الطلاء في أيديهم، جلب الأطفال الحياة إلى المنطقة. لقد مثّلوا مفارقة حادة مع الجدران الرمادية المدمّرة والسيارات المحترقة من حولهم. لقد رسموا شموساً وزهوراً على الأنقاض. هل سبق أن شاهدتَ الشمس تشرق من تحت الأنقاض؟ هذا هو صمود أبناء بلدي"

 

مثل زهور جميلة وبأصوات ملائكية، انطلقت أنسام والأطفال يصدحون من أعماق قلوبهم بالأغنية التي تدرّبوا عليها لأسابيع. تمثّل الأغنية، والتي تفضّل زيد ديراني السفير الإقليمي لليونيسف مشكوراً بإهدائها لأبناء سوريا، رسالة أمل إلى العالم أجمع من أجل مستقبل أكثر إشراقاً لسوريا يعمّها السلام.

لم أتمالك دموعي عندما شاهدت الفيديو لأول مرة، لمعرفتي بالمعاناة التي لحقت بهؤلاء الأطفال وبالشوط الكبير الذي قطعوه. قبل أشهر فقط، كان نفسُ هؤلاء الأطفال الذين يُغنّون ويرقصون الآن بفرح يعيشون كابوساً. في السنوات القليلة لحياتهم، شهدوا الكثير من العنف والخوف. اقتُلِع نفسُ هؤلاء الأطفال من منازلهم، الكثير منهم ليس فقط مرة واحدة أو مرتين،  بل ما يصل إلى سبع مرات. فَقَد نفسُ هؤلاء الأطفال أصدقاءهم وأفراد أسرهم ومدارسَهم وشعورهم بالانتماء. أن نراهم ينشرون الحب والأمل بعيداً عن ملاجئ قاسية يسمونها الآن بيوتَهم، كان بمثابة حلمٍ يتحقق.

في وقت سابق منذ أشهر قليلة فقط، بدأنا مشروعنا مع أوتار – وهي فرقة موسيقية في العاصمة دمشق لها تجربة رائدة في استخدام الموسيقى والأغاني والفن والرسم كأدوات إبداعيّة لدعم الأطفال داخل سوريا نفسياً.

تقول هناء سنجر ممثلة اليونيسف: “كان لديّ حلم. لقد سبق لي أن تأثرتُ كثيراً بميريل ستريب في فيلم ’موسيقى من القلب’، والذي يستند إلى قصة حقيقية، لإلهام الأطفال المحرومين من خلال الموسيقى.” وتمضي قائلة: “عندما تحدثت مع فرقة أوتار عن رؤيتي، رأيت أعينَهم تلمع من الشغف. لقد وعدوني حينئذ بأن يحوّلوا هذا الحلم إلى حقيقة للعديد من الأطفال.”

وهكذا بدأت الرحلة.

توجّهَت مجموعات متخصصة من الموسيقيين ومعلمي التربية الفنية إلى 16 ملجأ للأسر المشرّدة داخلياً في دمشق ومحيطِها لإدخال الفن إلى حياة الأطفال. قضت المجموعات ساعاتٍ مع الأطفال، تعلمهم طريقة الغناء، والعزف على الآلات الموسيقية، وكتابة كلمات لأغاني مستوحاة من واقع حياتهم. أنتجت الفرقة 21 أغنية تحمل رسائل الأمل، والصمود، والتصميم، مستوحاة من الأطفال أنفسهم.

“في البداية، كان المشروع يتعلّق بمسؤوليتنا تجاه أبناء بلدنا” قال لي أمير قرجولي، مدير فرقة أوتار. وأضاف قائلاً: “لكن مع توثّق معرفتنا بالأطفال، أصبح الأمر يتعلّق باعتقاد صادق فيهم كشركاء في بناء مستقبل جميل، بعيداً عن اليأس والصراع.”

قامت المجموعات أيضاً بتعليم الأطفال كيفية الرسم، استناداً إلى دليل وضعته الفرقة، كوسيلة لتبادل الخبرات مع أقرانهم، وبناء الثقة بالنفس، والتعبير عن أنفسهم، وإذكاء الأمل في المستقبل في نفوسهم.

“رسمتُ أطفالاً يلعبون على المراجيح لأنه عندما تنتهي هذه الحرب، أريد أن أعود إلى بيتي وألعب مع أصدقائي مثلما كنا نفعل،” قالت لي منى، 12 عاماً، وهي تعرِضُ لي لوحتها أثناء زيارتي لأحد تلك المراكز.

هنا تدخّلت صديقتُها آية، 11 عاماً، بسرعة قائلةً: “يُعجبني عندما يطلب منا المدرِّبون رسم ما يتبادر إلى أذهاننا. أحياناً أرسم أشياء سعيدة وأحياناً أشياء حزينة أتذكّرها، حسَب ما أشعر به.”

ما إن يصل الموسيقيون ومعلمو التربية الفنية إلى الملاجئ، حتى يتجمع الأطفال حولهم في حلقة كبيرة. تتحول الفوضى إلى سكينة بينما يستعيد الأطفال لحظاتٍ من طفولتهم من خلال اللعب والغناء والرسم، وكأنما قد سحرتهم الموسيقى.

“كنا قد اعتدنا سماع أصوات القصف والقذائف، والآن نسمع فقط الأغاني والموسيقى،” قالت فتاة صغيرة. بذلك عبّرَت هذه الفتاة عن الأمل الذي أضفاه هذا البرنامج على حياة الكثير من الأطفال.

أنا أيضاً سحرَني الأطفال. كطفلة عاشت في منطقة صراع، كانت الحرب أشدّ مخاوفي وأنا أكبُر. لم يكن يدور بخُلدي أنه سيأتي يوم من الأيام يطالب فيه أبناء بلدي بحقهم في أن يعيشوا طفولة سعيدة وآمنة.

ولكنّ رؤيتَهم وعزمَهم المُلهِم، علّموني أنه لن يوجد أبداً “حضيضٌ” يمكن أن يؤدي إلى كسر صمودهم. ففي كل مرة يبتسمون، يَبرُق الأمل.

 

 


صور مختارة


مقالات ذات صلة

الأمن والسلامة مع حوادث قذائف الهاون
إقرأ المزيد ←
12 فرقاً بين المدير والقائد لابد أن تعرفهم
إقرأ المزيد ←
الزنزانة
إقرأ المزيد ←

أرشيف المقالات

صنف

القائمة